سمك، بلاستيك، تمر هندي: نهر النيل الأعلى تلوثا

كتب: محمد غازي
2021-06-11

في الركب العالمي الحالي الساعي للحفاظ على البيئة من الأخطار التي لا تنفك أن تداهمها، كان من نصيب نهر النيل أن تجرى عليه أول دراسة من نوعها في إحصاء التلوث في مياه أطول أنهار العالم.

ففي الدراسة تم إجراؤها من خلال الصحيفة الالكترونية
MDPI  و الشبكة الإخبارية Sky News على عينة من السمك من نهر النيل، و التي كانت تحتوي على 43 سمكة، تم اكتشاف أن قرابة الخمسة و سبعون في المائة 75% من هذه الأسماك تحتوي على مواد بلاسيتيكة صغيرة أو Microplastics (MPs)، و هي مواد تدخل في جوف السمك و تظل مختلطة به كونها غير متحللة، و أن أقصى عدد لتلك الجزيئات قد وصل إلى 20 قطعة في السمكة الواحدة!

قد لا تكون تلك الدراسة بالأمر الأمثل بالنسبة لنهر النيل و الثروة السمكية المتواجد في مياهه. فقد أثبتت تلك الدراسة أن نسبة المايكروبلاستيك في الأسماك تتعدى النسب الموجودة في الأماكن الأخرى التي تم البحث فيها. فعلى سبيل المثال، تبلغ معدلات المايكروبلاستيك في عينات الأسماك المأخوذة من المسطحات المائية التالية كالآتي:

·         في بحر الشمال بلغت النسبة 2.6%

·         في بحر البلطيق كانت  5.5%

·         في الساحل البرتغالي 19.8%

·         في القناة الإنجليزية (من المحيط الاطلنطي) بلغت النسبة 37%

·         جزر البليار (من البحر الأبيض المتوسط) في إسبانيا تبلغ  68%

·         أما مياه البحر الأبيض المتوسط  التركية  فتحتوي 41٪ من عينات الأسماك  فيهاعلى الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في قنواتها الهضمية.

و يعد نهر النيل هو النهر الثاني في إفريقيا الذي يخضع لدراسة لقياس نسبة التلوث، و عليه أصبحت مياهه تعد من أخطر المياه النهرية على وجه الأرض.

في ضوء ما سبق و في ضوء خطورته، كيف تناولت القوانين المصرية تلوث المسطحات المائية؟

في مصر، هناك قانونان معنيان بالحماية المائية؛ أحدهما عام و الآخر خاص.

فالعام هو ذلك قانون البيئة القانون رقم 4 لسنة 1994 و الذي يتناول الأمور البيئية بشكل عام غير حصري على التلوث المائي، بل يتناول كذلك أمور مثل وضع جهاز شئون البيئة و صندوق حماية البيئة و الحماية البيئية البرية و المائية و الهوائية من التلوث.

و جاء هذا القانون في بابه الثالث بعنوان "حماية البيئة المائية من التلوث" ساردا لعدة حالات تتعرض فيها المياه عموما للتلوث، إلا أن أغلب التركيز كان على التلوث الصادر من قبل السفن من خلال تسريب زيوت إلى المياه أو إلقاء مخلفات أو مواد ضارة. لكن هذا التشريع في مادته (48) و نص أن:

تهدف حماية البيئة المائيةٌ من التلوث إلى تحقيق الأغراض الآتيةٌ :

(أ) حمايةٌ شواطئ جمهور يةٌ مصر العربيةٌ و موانيهٌا من مخاطر التلوث بجميع صوره وأشكاله.

(ب) حماية البحر الاقليمي و المنطقة الاقتصادية الخالصة و مواردها الطبيعية الحية و غير الحية و ذلك بمنع التلوث أيا كان مصدره و خفضه و السيطرة عليه.

و يعفينا النص السابق من التطرق لغير ذلك من النصوص و بالتبعية العقوبات حيث أن قانون البيئة المصري لم يتطرق لحماية مياه نهر النيل من التلوث، بل كان معنيا بمياه البحر الاقليمي و المنطقة الاقتصادية فحسب.

و قد يبدو غريبا أن يغفل قانون البيئة المصري حماية أطول انهار العالم، إلا أن النظر لبادئ القانون يعطينا إحالة إلى قانون آخر و هو قانون حماية نهر النيل و المجاري المائية من التلوث 48 لسنة 1982. أي أن حماية نهر النيل قد صدر لها تشريع سابق على قانون حماية البيئة ككل. وعليه، فأن أحكام قانون البيئة تأتي بما "لا يخل بتطبيق أحكام قانون 48 لسنة 1982 في شأن حماية نهر النيل و المجاري المائية من التلوث".

و ماذا حملت نصوص قانون حماية نهر النيل؟

أولا جاء التشريع موضحا لما يشمله من نصوص سارية حيث نص أن:

مادة 1 -" تعتبر من مجارى المياه فى تطبيق أحكام هذا القانون:

( أ ) مسطحات المياه العذبة وتشمل:

1 - نهر النيل وفرعيه والاخوار.

2 - الرياحات والترع بجميع درجاتها والجنابيات.

(ب) مسطحات المياه غير العذبة وتشمل:

1 - المصارف بجميع درجاتها.

2 - البحيرات.

3 - البرك والمسطحات المائية المغلقة والسياحات.

(ج) خزانات المياه الجوفية."

إذاً فنهر النيل –قطعا- على رأس المسطحات المائية العذبة المعنية بالحماية في القانون.

و جاءت المادة الثانية من القانون حاسمة قاطعة لفعل إلقاء المخلفات في نهر النيل، حيث نصت على أنه:

مادة 2 - "يحظر صرف أو إلقاء المخلفات الصلبة أو السائلة أو الغازية من العقارات والمحال والمنشآت التجارية والصناعية والسياحية ومن عمليات الصرف الصحى وغيرها فى مجارى المياه على كامل أطوالها ومسطحاتها إلا بعد الحصول على ترخيص من وزارة الرى فى الحالات ووفق الضوابط والمعايير التى يصدر بها قرار من وزير الرى بناء على اقتراح وزير الصحة ويتضمن الترخيص الصادر فى هذا الشأن تحديدا للمعايير والمواصفات الخاصة بكل حالة على حدة."

و قد نص القانون في المادة (16) على العقوبات كالآتي:

مادة 16 - "مع عدم الإخلال بالأحكام المقررة بقانون العقوبات يعاقب على مخالفة أحكام المواد 2، 3 فقرة أخيرة، 4، 5، 7 من هذا القانون والقرارات المنفذة لها بالحبس مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تزيد على ألفى جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفى حالة تكرار المخالفة تضاعف العقوبة، ويجب على المخالف إزالة الأعمال المخالفة أو تصحيحها فى الميعاد الذى تحدده وزارة الرى، فإذا لم يقم المخالف بالإزالة أو التصحيح فى الميعاد أو المحدد يكون لوزارة الرى اتخاذ إجراءات الإزالة أو التصحيح بالطريق الإدارى وعلى نفقة المخالف وذلك دون إخلال بحق الوزارة فى إلغاء الترخيص."

إلا أنه قد صدر تعديل لهذا القانون في 7 أكتوبر 2015 لتلك المادة كان من شأنه أن يرفع العقوبة المالية بشكل ملحوظ، حيث زادت الغرامة على المخالف في حدها الأدنى من 500 جنيه إلى 50000 و في حدها الأقصى من 2000 جنيه إلى 200000 جنيه:

المادة (16) بعد التعديل: "مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد فى قانون العقوبات أو أى قانون آخر، يعاقب على مخالفة أحكام المواد "2،3/ فقرة أخيرة، 4، 5، 7" من هذا القانون والقرارات المنفذة لها بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تزيد على مائتى ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفى حالة تكرار المخالفة تضاعف العقوبة، ويجب على المخالف إزالة الأعمال المخالفة أو تصحيحها فى الميعاد الذى تحدده وزارة الرى، فإذا لم يقم المخالف بالإزالة أو التصحيح فى الميعاد المحدد يكون لوزارة الرى اتخاذ إجراءات الإزالة أو التصحيح بالطريق الإدارى وعلى نفقة المخالف، وذلك دون إخلال بحث الوزارة فى إلغاء الترخيص".

و لعل تلك النصوص و العقوبات تأتي منطقية لما يحمله نهر النيل من أهمية استراتيجية لمصر، و في هذا نقول أن النص المحذر و الرادع كلامها موجودان، لكن صدور تقرير كهذا ينبئ حتما بالجهل بالقانون أولا (و الذي يبدو على قدر من البداهة اتباعه دون العلم به، على الأقل من الناحية الوطنية أو تماشيا مع طبيعة الإنسان في السعي إلى الصحة و النظافة)، و كذلك ينبئ بالتراخي في تطبيق العقوبات أو في السيطرة على ارتكاب الفعل من الأساس، فحدوث الضرر يعني عدم اتخاذ الإجراءت المانعة له، مما يتركنا مع تساؤل أخير: أنّى يأتي التطبيق؟